ابن عجيبة

190

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

تنبيه : العلم باعتبار وجوب إظهاره وكتمه على ثلاثة أقسام : قسم يجب إظهاره ، ومن كتمه دخل في وعيد الآية ، وهو علم الشريعة الظاهرة ، إذا تعيّن على المسؤول بحيث لم يوجد من يفتى في تلك النازلة . وقسم يجب كتمه ، وهو علم سرّ الربوبية ، أعنى التوحيد الخاص ، فهذا لا يجوز إفشاؤه إلا لأهله ، وهو من بذل نفسه وفلسه وخرق عوائد نفسه ، فهذا لا يحل كتمه عنه إذا طلبه . وقسم يستحب كتمه ، وهو أسرار القدر المغيّبات ، فهذا من باب الكرامات يستحب كتمها ولا يجب ، واللّه تعالى أعلم . هنا انتهى العتاب لبنى إسرائيل والكلام معهم ، وابتداؤه من قوله تعالى : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ . . ، . وإنما تخلّل الكلام ذكر إبراهيم وبنيه توطئة لنسخ القبلة الذي أنكروه ، فذكر بناء الكعبة وبيان شرفها ، وانجر الكلام إلى ذكر الصفا والمروة لقرب المناسبة والجوار . فلما فرغ من عتابهم دلهم على التوحيد ، وشاركهم في ذلك غيرهم ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 163 إلى 164 ] وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 163 ) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 164 ) قلت : إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ مبتدأ وخبر ، وجملة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ : تقرير لها وتأكيد ، و الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ : خبران آخران ، أو عن مبتدأ مضمر ، وأنث الْفُلْكِ لأنه بمعنى السفينة ، و مِنَ السَّماءِ ابتدائية ، و مِنْ ماءٍ بيانية ، و بَثَّ : عطف على أَنْزَلَ أو فَأَحْيا لأن الحيوانات تنمو بنزول المطر والخصب ، والبث : النشر والتفريق و تَصْرِيفِ الرِّياحِ : هبوبها من الجهات المختلفة . يقول الحق جل جلاله : وَإِلهُكُمْ يا معشر العباد الذي يستحق أن يعبد إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له ، ولا نظير ، ولا ضد له ولا ند ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، إذ لا يستحق العبادة غيره ، إذ هو الرَّحْمنُ بنعمة الإيجاد الرَّحِيمُ بنعمة الإمداد ، فكل ما سواه مكون مخلوق ، إما منعم عليه أو نعمة ، فلم يستحق العبادة غيره .